ابن رشد
258
تهافت التهافت
للتغير إلا اختلاف العلم وإذا اختلف العلم اختلف العالم ، فإن من لم يعلم شيئا ثم علمه فقد تغير ولم يكن له علم بأنه كائن ثم حصل حالة الوجود فقد تغير . وحققوا هذا بأن الأحوال ثلاث : حال هي إضافة شخصية محضة كقولنا : يمينا وشمالا ، فإن هذا لا يرجع إلى وصف ذاتي بل هو إضافة محضة فإن تحول الشيء الذي كان عن يمينك إلى شمالك تغيرت إضافتك ولم تتغير ذاتك بحال فهذا تبدل إضافة على الذات وليس تتبدل الذات . ومن هذا القبيل إذا كنت قادرا على تحريك أجسام حاضرة بين يديك فانعدمت الأجسام أو انعدم بعضها لم تتغير بذلك قوتك الغريزية ولا قدرتك لأن القدرة قدرة على تحريك الجسم المطلق أولا ، ثم على المعين ثانيا من حيث أنه جسم فلم تكن إضافة القدرة إلى الجسم المعين وصفا ذاتيا بل إضافة محضة فعدمها يوجب زوال إضافة لا تغيرا في حال القادر . والثاني تغير في الذات وهو أن لا يكون عالما فيعلم ولا يكون قادرا فيقدر فهذا تغير . وتغير المعلوم يوجب تغير العلم . فإن حقيقة ذات العلم تدخل فيه الإضافة إلى المعلوم الخاص إذ حقيقة العلم المعين تعلقه بذلك المعلوم المعين على ما هو عليه فتعلقه به على وجه آخر علم آخر بالضرورة فتعاقبه يوجب الاختلاف في حال العلم . ولا يمكن أن يقال أن للذات علما واحدا فيصير علما بالكون بعد كونه علما بأنه سيكون ثم هو يصير علما بأنه كان بعد أن كان علما بأنه كائن ، فالعلم واحد متشابه الأحوال وقد تبدلت عليه الإضافة لأن الإضافة في العلم حقيقة ذات العلم فتبدلها يوجب تبدل ذات العلم فيلزم منه التغير وهو محال على اللّه تعالى . والاعتراض من وجهين : أحدهما : أن يقال : بم تنكرون على من يقول أن اللّه تعالى له علم واحد بوجود الكسوف ، مثلا في وقت معين ، وذلك العلم قبل وجوده علم بأنه سيكون وهو بعينه عند الوجود علم بالكون وهو بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء ، وأن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلا في ذات العلم فلا توجب تغيرا في ذات العالم ، وأن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة فإن الشخص الواحد يكون على يمينك ، ثم يرجع إلى قدامك ثم إلى شمالك فتتعاقب عليك الإضافات والمتغير ذلك الشخص المنتقل وهكذا ينبغي أن يفهم الحال في علم اللّه تعالى فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد ، والحال لا تتغير وغرضهم نفي التغير وهو متفق عليه وقولهم : من ضرورة إثبات العلم بالكون الآن والانقضاء بعده تغير فليس بمسلم فمن أين عرفوا ذلك بل لو خلق اللّه تعالى لنا علما بقدوم زيد غدا عند طلوع الشمس وأدام هذا العلم ولم يخلق لنا علما آخر ولا غفلة عن هذا العلم ، لكنا عند طلوع الشمس عالمين بمجرد العلم السابق بقدومه الآن وبعده بأنه قدم من قبل ، وكان ذلك العلم الواحد الباقي كافيا في الإحاطة بهذه الأحوال الثلاث . فيبقى قولهم : إن الإضافة إلى المعلوم المعين داخلة في حقيقته ومهما اختلفت الإضافة اختلف الشيء الذي الإضافة ذاتية له ومهما حصل الاختلاف والتعاقب فقد حصل